يوسف المرعشلي
1227
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
كله قائلا : هذه نفقة الحج تنفق منها حتى نرجع ، فوصلوا المدينة المنورة وقد نفذ ما معهم ، ولم يدروا ما يصنعون ، فدخلوا المسجد النبوي ، ووقفوا عند قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ فسلّموا عليه وقالوا : يا رسول اللّه ، نحن ضيوفك وانقطعنا . فما لبثوا أن جاءهم رجل من أهل المدينة المنورة يسأل عنهم ؛ فأنزلهم عنده وأكرمهم غاية الإكرام ، واحتفى بهم ، وساق إليهم هدايا كثيرة محمولة على دواب كان نصيب المترجم منها دابة بما تحمل . ومن تسامحه ما حدّثوا عنه في قصة غريبة ابتلاه اللّه بها قالوا : بينما كان أكبر أولاده الذكور محمد الصدّيق يسير في زقاق الحطّاب بدمشق إذ عرض له ضابط تركي ، ولأمر ما تشاكس معه ، وحصل بينهما كلام ، ثم رفسه هذا الضابط رفسة قوية جدّا على حالبه ، فسقط مغشيّا عليه ، ونقل إلى المستشفى فتوفي . وسيق القاتل إلى المحكمة ، فلما مثل بين يدي القاضي رفع المترجم يده ووضعها على عينيه ، وأسقط الدعوى ، ولم يطالب بشيء من حقوقه ، وخرج مسرعا . . وعندما سألوه فيما بعد : لماذا سترت عينيك بكمّك ؟ قال : لم أشأ أن أرى القاتل حتى لا أتألم إذا أبصرت به مرة في الطريق ، فإذا رأيته الآن لم أعرفه . وله من الأولاد الذكور غيره ولدان آخران توفيا في حياته ، ومات عن سبع بنات . وحدث في زمن الاحتلال الفرنسي أن عرض فيلم سينمائي عن السلطان عبد الحميد ؛ فاستاء الناس بسبب ما فيه من أمور تسيء إلى الدين ولا تحترمه ؛ فقرر العلماء أن يعترضوا للمفوض السامي ، وذهب المترجم ومعه تلميذه الشيخ صالح فرفور إلى مركز المفوضية الفرنسية « 1 » وقدّم شكواه ، واستمع إليه المسؤولون فقالوا : إنهم لا يمانعون أن يراقب الفيلم ، وأن تحذف منه الأقسام التي يريد العلماء . . ونفذ الوعد ، وحذفت مواضع كثيرة ؛ فتشوّه الفيلم ، فألغي عرضه . وكان المترجم على صلة طيّبة بالعلماء والصلحاء ، وطلاب العلم ، يفدون إليه ويزورونه كالشيخ مراد سوار ، والشيخ محمد الهاشمي ، والسيد مكي الكتاني ، والسيد عبد الكبير الصقلي ؛ من علماء فاس ، والشيخ عبد الرحمن الخطيب ، والشيخ هاشم الخطيب ، والشيخ بشير الخطيب ، والشيخ أحمد المعضماني ؛ إمام الشافعية في الجامع الأموي ، والشيخ أحمد الحبال الرفاعي ، والشيخ إسماعيل الطرابلسي ، والشيخ سليم البحراوي ، والحاج مصطفى العطار ، وصهريه الشيخ محمد مفتي زادة الخالدي ، والشيخ إسماعيل الخطيب الفيومي . وقد أخبر الشيخ محمد نجيب ؛ خادم الشيخ علي الدقر الخاص أنّ الشيخ عليّا كان يقول لطلابه : قوموا نذهب إلى جامع البريدي إلى الشيخ شريف نقرأ عليه ، ونتبارك به ، ونأخذ عنه التصوف والعلم والطريق فكانوا يأتون إليه جميعا . وأخذ عنه كثير من هؤلاء الطلاب الطريق ، فكان يسلّكهم على الطريقة الشاذلية الفاسية . ألقى الدروس في أماكن متعددة ؛ فأقرأ في جامع البريدي ، والمكاتب التي أسسها ، ثم في الكلية الشرعية ببيروت ، وفي قرى لبنان . وكان يدرّس في بيته دروسا منوعة غالبها في الفقه المالكي . وله حلقة في محراب المالكية في الجامع الأموي كل يوم بعد صلاة العصر يبدؤها بقراءة حزب البحر ( أحد أوراد الطريقة الشاذلية ) ، ثم يشرع بدرس يعظ ويرشد معتمدا على تفسير القرآن الكريم بروح صوفية . وكان يتردّد إلى غرفة له بجامع المعلّق « 2 » فيها كتبه ، ويطالع ويتعبّد . تسلّك عليه مريدون كثر ، ولكن طلابه الذين أخذوا عنه العلم ولازموه كانوا من المكاتب التي أسسها ومن الثانوية الشرعية في بيروت . ومن طلابه الشيخ صالح النعمان ؛ أمين فتوى حماة ، والشيخ أحمد المعضماني ، والشيخ سعيد الأحمر ، والشيخ إبراهيم اليعقوبي ابن أخيه ، والشيخ كامل الخردجي ، والشيخ صالح فرفور ؛ الذي شجعه المترجم على العلم والتعليم ، فدفع إليه ابنه عبد الكريم اليعقوبي ، وطلب إليه أن يدرّسه في
--> ( 1 ) كانت تجاه نادي الضباط القديم في طريق الصالحية . ( 2 ) جامع المعلّق : في العمارة ، بين الحواصل ، ويسمى أيضا بالجامع الجديد وبجامع بردبيك . انظر ذيل ثمار المقاصد : 253 - 254 .